
قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “الحرية هي ما تفعله بما فُعل بك.”
إن القصة الخالدة لسبتمبر 1965 لم تبدأ عند معبر واجه الحدودي ولا مع دبابات تتقدم نحو لاهور، بل بدأت في وديان كشمير الخضراء، حيث اشتعلت شرارة التوق للحرية منذ عام 1947. وبحلول منتصف الستينيات، كان الشعب الكشميري يعيش حالة من القلق والاضطراب بسبب الوعود المنكوثة بالاستفتاء، والقمع، وإنكار حق تقرير المصير. فجاءت عملية جبرالتر التي أطلقتها باكستان دعماً للمقاومة الكشميرية ضد الاحتلال الهندي. وما تلا ذلك غيّر مصير جنوب آسيا.
جاء الرد الهندي عنيفاً، إذ صعّدت نيودلهي من وتيرة العنف داخل كشمير ثم عبر الحدود الدولية. وفي صباح السادس من سبتمبر 1965، شنت القوات الهندية هجوماً مفاجئاً على لاهور، وهي على ثقة بأنها ستحقق نصراً سريعاً. لكن في غمار الصدمة ارتفعت مقاومة شرسة. جنود ومواطنون وقفوا كتفاً بكتف، ليذكّروا العالم بأن سيادة باكستان ليست محل مساومة. لم يكن السادس من سبتمبر يوماً خالداً بسبب المواجهات العسكرية فحسب، بل لأنه جسّد الإرادة الجمعية لأمة فتية. الفلاحون تركوا الحقول لحفر الخنادق، والمعلمون والطلاب والعمال انخرطوا في الدفاع المدني. كل بيت أصبح جزءاً من المعركة. وفوق كل ذلك، سُطرت ملاحم خالدة ببطولات القوات المسلحة الباكستانية، أبرزها استشهاد اللواء راجا عزيز بَـهْـتّي وهو يقاتل حتى آخر نفس، رمزاً للصمود الذي طبع ذلك اليوم.
انتهت الحرب دون تغييرات جغرافية، لكن أهميتها تجاوزت الخرائط. فقد أثبتت أن باكستان، رغم صِغر حجمها العسكري، لا يمكن إخضاعها بالقوة. سبتمبر 1965 أظهر أن الأوطان تُحمى ليس بالسلاح وحده، بل بالوحدة والصلابة وروح لا تُكسر. كما أكد أن قضية كشمير تظل جوهرية للسلام والأمن الإقليميين، إذ إن عملية جبرالتر وُلدت من رحم النضال الكشميري من أجل تقرير المصير، وهو نضال ما يزال مستمراً حتى اليوم. وبعد عقود، ما زال الشعب في جامو وكشمير المحتلة يعيش تحت نير الاحتلال، محروماً من حقوقه، يواجه حظر التجول وانتهاكات إنسانية وتغييرات ديموغرافية قسرية.
يُعد يوم الدفاع أو يوم الشهداء في باكستان أكثر من مجرد ذكرى عسكرية؛ إنه تذكير بمسؤولية لم تكتمل بعد. فكما تطلبت معركة 1965 تضحيات لحماية الحدود، يتطلب الحاضر صبراً وإصراراً لحماية المبادئ والعدالة والكرامة وحق الشعوب في الحرية. تضامن باكستان مع كشمير ليس مجرد نتاج تاريخ مشترك وتضحيات مشتركة، بل هو التزام أخلاقي متجذر في نفس الروح المقاومة التي صنعت السادس من سبتمبر. واليوم لم تعد ساحات الحرب محصورة بالدبابات والمتاريس، بل امتدت إلى السرديات والدبلوماسية وصناعة الرأي العام. وكما حُميت الأرض بدماء الشهداء في 1965، فإن على جيل اليوم أن يحميها بالعلم والوعي والوحدة والدفاع عن الحقيقة.
إن يوم الدفاع إذن يحمل بعدين: تكريم تضحيات الماضي، والنهوض بمسؤوليات الحاضر. فهو يذكّر الباكستانيين بضرورة طرح أسئلة صعبة: كيف يمكن ترجمة روح 1965 إلى مناعة داخلية ضد الانقسامات؟ كيف يمكن تحويل التضامن مع كشمير إلى قوة ضغط عالمية مؤثرة؟ وكيف يمكن في زمن تُخاض فيه الحروب في ميدان الأفكار بقدر ما تُخاض في الميدان العسكري أن نعيد تعريف معنى التضحية؟
دروس سبتمبر 1965 خالدة: حين تتوحد الأمة، لا قوة تستطيع إخضاعها. واليوم إذ تحيي باكستان ذكرى شهدائها، فهي مطالَبة بتجديد عهدها بحماية السيادة، وتعزيز الوحدة، والدفاع عن حق الكشميريين الذين ما زالوا ينتظرون فجر الحرية.
يوم الدفاع ليس مجرد التفاتة إلى الماضي ولا مناسبة للاكتفاء بمديح الأبطال، بل هو وعي بأن روح التضحية ما زالت ضرورية كما كانت قبل ستة عقود. إنها القوة التي تمكننا من صياغة مستقبل تُحمى فيه الحدود، ويُصان فيه العدل، ويُمنح فيه البشر حريتهم. ويبقى السؤال: هل نحمل اليوم حقاً روح 1965، التزامنا بكشمير، وعزمنا على مواجهة تحديات عصرنا؟
الكاتبة باحثة متدربة في المعهد الكشميري للعلاقات الدولية (KIIR) وعضو في منظمة HEAL Pakistan، وهي مبادرة شبابية تعنى بالإنسانية وتمكين التعليم والوعي والقيادة.



