کشمیر المحتلۃمضامین

دهوراندار وظل الوطنية الاستعراضية: عندما تتحول السينما إلى أداة جيوسياسية

علاء حسين واني

يقدّم فيلم “دهوراندار” للمخرج أديتيا دار ليس مجرد عمل سينمائي، بل قطعة ثقافية تعكس اتجاهًا مقلقًا في السينما الهندية المعاصرة، وهو تحويل الفن إلى أداة لخدمة أجندات قومية ضيقة. يشارك في البطولة رانفير سينغ بدور عميل تابع لوكالة الاستخبارات الهندية RAW يتسلل إلى “الدولة العميقة” في باكستان، وقد أثار الفيلم نقاشات واسعة تتجاوز قيمته السينمائية، وأعاد فتح الجدل حول دور بوليوود في تكريس تصورات معادية لباكستان، مؤسساتها، وصراع كشمير.

سرد نمطي وتحويل السياسة إلى ترفيه
يتبع الفيلم قالبًا متوقعًا: العميل الهندي أجي سينغ (رانفير) يبدو كمنفصل عن النظام، ليكشف مؤامرة باكستانية تشمل المواد النووية وحركة الحرية الكشميرية. ومع ذلك، فإن ما يثير القلق ليس الحبكة بحد ذاتها، بل الخيارات السيميائية للفيلم. تم تقديم باكستان ككيان شرير موحد، جيشها يوصف بالمراوغة المتواصلة، المدنيون إما ضحايا عاجزون أو متطرفون، والأرض كمساحة فوضوية يحتاج فيها البطل الهندي لاستعادة النظام الأخلاقي.

أكثر المشاهد جدلاً يظهر عالِمًا نوويًا باكستانيًا يتآمر مع “مقاتلين كشميريين”، ما يربط بين المخاوف الأمنية الباكستانية المشروعة و”تصاميم خبيثة” على الهند، وهو ما يلغى تاريخ كشمير المعقد ويحوّل الإقليم وطموحات شعبه إلى قطعة في صراع الهند-باكستان، بما يرسّخ ما يسميه الباحثون بـ”الاستعمار السردي”.

آلة التلاعب الإعلامي
يميز “دهوراندار” عن مجرد الترفيه القومي اندماجه مع النظام الإعلامي الهندي الأوسع. فقد سبق إطلاق الفيلم حملة رقمية منسقة على منصات مثل تويتر وفيسبوك، حيث عملت حسابات وهمية على تضخيم هاشتاغات مثل #DhurandharExposesPak و#IndiaStrikesBack. كما رصدت منظمات تحقق صحفي شبكة مواقع تزيف كونها مستقلة لنشر مراجعات وتحليلات جيوسياسية متماثلة تمدح الفيلم.

يمثل هذا أسلوبًا موثقًا: استخدام السينما لغسل السرديات السياسية عبر الترفيه، حيث يتطابق خطاب الفيلم أحيانًا حرفيًا مع تصريحات رسمية للهند، ما يعكس ما يسميه علماء الإعلام بـ”التوافق المصنّع” من خلال الإنتاج الثقافي.

كشمير كميادين سينمائي
يعكس تعامل الفيلم مع كشمير كيف يمكن للسينما أن تصبح شريكًا في السرد الرسمي. يُفتتح الفيلم بملاحظة أنه “مستوحى من أحداث حقيقية”، لكن تصويره لكشمير يخلو من قادة الحرية، أو الجيش الهندي، أو ضحايا الأسلحة غير الفتاكة، ويقتصر على “الوسطاء الباكستانيين” والشباب المتطرف، ما يسهم في إضفاء طابع خارجي على قضية داخلية. بالمقابل، يكافح صانعو الأفلام والصحفيون الكشميريون لإيصال سردهم، وغالبًا ما يواجهون الرقابة والمضايقات واتهامات بالخيانة.

الردود النقدية والدفاعات
واجه الفيلم انتقادات واسعة داخليًا وخارجيًا، حيث حظرت ست دول خليجية عرضه، بينما احتجت السلطات الباكستانية رسميًا على محتواه “التشهيري والمثير”، وأدانته منظمات المجتمع المدني الهندي باعتباره “محرّضًا على الحرب”. بينما دافع بعض المؤيدين عن حق صناع السينما الهنديين في التعبير الوطني، إلا أن هذه المقارنة مع إنتاجات باكستانية تتجاهل الفارق الكبير في القدرة التأثيرية بين بوليوود ولوليوود.

نماذج متكررة وسياسة أفلام ما بعد 2014
لا يمثل “دهوراندار” حالة معزولة، بل جزء من طفرة أفلام بعد 2014 تخدم وظائف سياسية واضحة، مثل “أوري: الضربة الجراحية” و”ملفات كشمير”، التي تعيد كتابة الأحداث التاريخية من منظور أغلبية، شيطنة الخصوم، مع دعم صريح أو ضمني من الدولة. هذه الظاهرة تتزامن مع تحوّل المشهد الإعلامي الهندي، حيث يواجه الصحفيون المستقلون ضغوطًا، وتزدهر المنصات المؤيدة للحكومة، لتصبح السينما جزءًا من دائرة تضخيم السرد الرسمي.

خاتمة: رهانات السرد
تكمن المشكلة في “دهوراندار” ليس في النقد الموجه لباكستان، بل في التضحية بالنزاهة الفنية من أجل خدمة أيديولوجية. يقلّص الفيلم التاريخ المعقد إلى حكايات أخلاقية، ويحوّل الشخصيات إلى صور كرتونية، ويحوّل كشمير إلى ميدان رمزي للخيال القومي. السينما تملك القدرة على الإنسانية وتعقيد الأمور وبناء جسور، لكن عندما تتحول إلى أداة للتشهير والاستقطاب، فإنها تخون مسؤولياتها الفنية والاجتماعية.

قد ينجح “دهوراندار” تجاريًا، مستفيدًا من المشاعر القومية السائدة، لكن إرثه سينحصر في كونه فيلمًا اختار الدعاية على الحقيقة، والعداء على الفهم، والانقسام على الحوار. وفي عصر السرديات الإعلامية المصنّعة، ليست ضحية الفيلم فقط صورة باكستان أو كشمير، بل قدرة الجمهور الهندي على التفكير النقدي وإمكانية تحقيق السلام عبر التبادل الثقافي.

المؤلف: رئيس مركز كشمير للعلاقات الدولية، إسلام آباد. البريد الإلكتروني: chairman@kiir.org.ok, saleeemwani@hotmail.com, X: @sultan1913

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى