استعمار كشمير عبر السجون: حين تتحول المعتقلات إلى سلاح حرب
بقلم: الطاف حسين واني

بكل المقاييس التي تُعرّف الديمقراطية الحديثة، فشلت الدولة الهندية في كشمير. لكن كلمة “فشل” تبدو وصفاً ليناً. ما نشهده ليس مجرد إخفاق بل مشروع أيديولوجي مُمنهج، حيث تغلغلت عقيدة الهندوتفا في كل مفاصل الدولة – الجيش والشرطة والسلطة التنفيذية والمجتمع المدني، والأخطر القضاء – لتحويل كشمير إلى أكبر مجمّع سجني في العالم، حيث تُستخدم المراقبة والعسكرة والعقاب الجماعي كأسلحة حرب ضد شعب بأكمله.
آلاف الكشميريين – سياسيون، شعراء، دعاة، بل وحتى أطفال – يقبعون في السجون، من معتقل تيهار سيّئ السمعة إلى سجون مظلمة متناثرة عبر عمق الهند. جريمتهم ليست الإرهاب، بل جريمتهم الوحيدة أنهم نطقوا بالحق وطالبوا بحق تقرير مصيرهم، ذلك الحق الذي وُعِدوا به منذ عقود في قرارات مجلس الأمن الدولي.
الأرقام صادمة، لكن الأرقام وحدها لا توقظ الضمائر. ما يجب أن يهز ضمير العالم المتحضر هو معاناة السجناء الكشميريين رجالاً ونساءً، الذين قضوا عقوداً طويلة في زنازين مظلمة فقط بسبب قناعاتهم السياسية. العالم يحتفي بنيلسون مانديلا الذي قضى 28 عاماً في السجن، لكنه يلوذ بالصمت أمام أسرى كشمير الذين أمضى بعضهم أكثر من 33 عاماً خلف القضبان.
فعلى سبيل المثال: مسرت عالم بُت، رئيس مؤتمر حريات جميع الأحزاب، قضى 28 عاماً من أصل 33 خلف القضبان – معظمها دون محاكمة. محمد ياسين مالك، رئيس جبهة تحرير جامو وكشمير، يقضي حكماً بالسجن المؤبد بتهمة “شن الحرب ضد الهند” – وهي تهمة مثيرة للسخرية. أما شبیر أحمد شاه، الملقب بـ”مانديلا كشمير”، فقد أمضى أكثر من نصف عمره – 36 عاماً – في السجون الهندية وغرف التعذيب. نعيم أحمد خان، المهندس، تعرض هو الآخر لاعتقالات متكررة وتعذيب، وهو يواجه اليوم التهمة الهزلية ذاتها: شن الحرب ضد الهند. النساء أيضاً لم يسلمن؛ آسية أندرابي وناهيدة نسرين تعاقبان ليس فقط بسبب آرائهن السياسية، بل أيضاً لكونهن نساء. نُقلن إلى سجون بعيدة عن الوادي، في إهانة للعدالة واعتداء صارخ على الأمومة الكشميرية.
أما خرم برويز، المدافع البارز عن حقوق الإنسان، فقد وُجهت له تهم “الإرهاب”، لكنه رغم ذلك حظي باعتراف دولي واسع كأحد أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق الإنسان.
البنية القانونية لهذا القمع – المتمثلة في قوانين قمعية مثل قانون السلامة العامة (PSA) وقانون القوات المسلحة (AFSPA) وقانون الأنشطة غير المشروعة (UAPA) – ليست قوانين بالمعنى الحرفي، بل أدوات هيمنة تمنح الدولة ترخيصاً لقمع أي صوت معارض دون أدنى مساءلة. بموجب قانون PSA يمكن اعتقال أي شخص لعامين كاملين بلا محاكمة لمجرد الاشتباه بأنه “تهديد للأمن”. أما UAPA فيذهب أبعد من ذلك، إذ يجرّم مجرد الانتماء إلى أي منظمة تحظرها الدولة – حتى بأثر رجعي – ما يعني السجن لعقود. وهكذا نشأ نظام قانوني موازٍ في كشمير، حيث يولد المسلم متهماً، والبراءة غير واردة.
القوانين وحدها ليست القمع، بل المجتمع الذي يطبقها. في الهند اليوم، رسخت الهندوتفا قبضتها على مؤسسات الدولة. الجيش، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كمؤسسة محايدة، بات يعمل كفرع شبه عسكري لـRSS. الجنود ينشرون مقاطع على “تيك توك” يُظهرون فيها تعذيب شبان كشميريين، والجنرالات يروجون لـ”النموذج الإسرائيلي” في كشمير. الشرطة، وقد تطيّفت منذ زمن، تعمل اليوم كميليشيا هندوسية برواتب رسمية.
أما داخل السجون، فقد اتخذت هذه الأيديولوجيا المتطرفة أشكالاً بشعة. تقارير تفيد بأن السلطات تستعين بسجناء هندوس – كثير منهم مدانون بالقتل والاغتصاب – لإرهاب الأسرى الكشميريين. في رمضان، عندما يحاول الأسرى الصلاة، يُشجَّع هؤلاء على تدنيس المصحف وتوجيه الشتائم. الزعيم شبير أحمد شاه، البالغ من العمر 71 عاماً، تعرّض للضرب حتى فقد الوعي في سجن تيهار لرفضه ترديد شعار “جاي شري رام”.
أما القضاء، الذي كان يُنظر إليه كملاذ أخير، فقد تحول إلى حليف موثوق للهندوتفا. المحاكم في كشمير لم تعد سوى تروس في آلة القمع. المحكمة العليا في الهند، التي تسارع للدفاع عن حقوق مثيري الشغب في دلهي وغوجرات، لم تنظر في أي التماس بالإفراج من كشمير منذ خمس سنوات. وعندما تنظر، فإنها تردد مقولات مثل: “الأمن القومي” يتفوق على الحرية، و”الإرهاب” هو ما تقوله الدولة. في عام 2020، أيدت المحكمة حجب الإنترنت السريع (4G) لمدة عام كامل، بحجة أن “الإرهابيين قد يسيئون استخدامه”. هذا ليس قانوناً، بل أبارتهايد مشرعن.
المجتمع المدني الهندي جرى تهميشه عمداً، فيما تحولت السجون إلى مقابر لأحلام الكشميريين. في 2021 توفي الزعيم الحُرياتي محمد أشرف صحرائي، البالغ 70 عاماً، في سجن جامو بعد أن حُرم من العلاج الطبي، ومنعت عائلته من وداع جثمانه. وفي 2022 لقي القائد الطاف أحمد شاه المصير نفسه بعد إهمال علاجه من السرطان. وفي 2023 قُتل تبارك حسين، الشاب الكشميري المريض عقلياً، في الحجز العسكري، وأُعيد جثمانه ناقص الأعضاء.
هذه ليست قضية كشمير فقط، بل قضية مستقبل الهند. حين تصبح المطالبة بالوعود جريمة، والسجون مصيراً لآلاف الأبرياء، والمحاكم تُشرعن الاعتقال إلى ما لا نهاية، والمجتمع يصفق للتعذيب – فالمشكلة في نظام يعاني من إرث استعماري لم يتخلص منه بعد. مشروع الهندوتفا في كشمير ليس سوى مختبر يجري تعميمه على عموم الهند. القوانين ذاتها التي سُنت لخنق الكشميريين، تُستخدم اليوم ضد المسلمين في دلهي والمسيحيين في تشهاتيسغاره، وضد كل معارض في البلاد.
الكشميريون ليسوا وحدهم ضحايا هذا المشروع الاستيطاني – فالداليت والقبائل (الأديفاسي) والمسلمون والمزارعون كلهم أهداف لهيمنة الهندوتفا. لقد آن الأوان لبناء تضامن واسع بين كل المقهورين في الهند لمواجهة هذا الهجوم المستمر.
لا سجن مهما اتسع يمكنه إسكات الأفكار. ما دامت الأمهات في سريناغار تُغنين أناشيد الحرية، وما دام الأطفال في بارامولا ووادي كشمير يحلمون بـ”آزادي”، فإن النضال سيستمر.
ما يعيشه الكشميريون منذ عقود هو إنذار للمستقبل: ما يواجهونه اليوم سيطال الجميع إن لم يُوقف زحف الهندوتفا. صمت الأسرى في زنازينهم هو صرخة مدوّية، والسؤال لم يعد: هل ستسمع الهند؟ بل: هل نملك نحن الشجاعة لنستمع ونقول “لا” لعقلية الأكثرية التي تريد صياغة مجتمع أحادي اللون تحت راية الهندوتفا؟
الكاتب هو رئيس المعهد الكشميري للعلاقات الدولية – إسلام آباد
للتواصل: saleeemwani@hotmail.com



