تقرير خاصخصوصی دنسید علی گیلانیکشمیر المحتلۃمضامین

غيلاني: أيقونة كشمير الصامدة

محمد عبد الله

وُلد سيد علي شاه غيلاني في قرية هادئة باندبورا ونشأ في بلدة سوبور، ليصبح لاحقًا أحد أكثر الشخصيات صلابة واستمرارية في حركة المقاومة الكشميرية. قادته مسيرته الأكاديمية إلى كلية أورينتال في لاهور حيث درس اللغات والأدب، وألّف ما لا يقل عن 34 كتابًا، من أبرزها ترجمته للأعمال الفارسية للشاعر والفيلسوف محمد إقبال إلى اللغة الأردية، وهو إنجاز يعكس عمق ثقافته وارتباطه الفكري برؤية إقبال لنهضة الأمة الإسلامية.

على مدى أكثر من سبعة عقود، ظلّت حياة غيلاني متشابكة مع المصير السياسي لجامو وكشمير. فقد شغل منصب الرئيس الدائم لـ”مؤتمر حريات جميع الأحزاب” (APHC)، وقبل ذلك كان قياديًا في “الجماعة الإسلامية” ولاحقًا مؤسسًا لـ”تحريك حريات”. وقد شكّل هوية سياسية تقوم على الصمود والمقاومة. قضى آخر أحد عشر عامًا من حياته قيد الإقامة الجبرية، يعاني من أمراض عدة، لكن سجنه لم ينجح في إسكات رمزية صوته الذي بقي ملهمًا للكثيرين. بالنسبة لمؤيديه، لم يكن غيلاني مجرد سياسي بل أيقونة حقيقية، وتجسيدًا حيًا لتطلعات الكشميريين نحو تقرير المصير.

ما يميز غيلاني عن غيره، برأيي، هو وضوحه الأيديولوجي الصارم. فعندما اتجه بعض قادة “الحريات” نحو المساومة مع نيودلهي، اختار غيلاني التحدي بدل التنازل. انفصل وأسس “تحريك حريات” مؤكدًا أن كشمير أرض متنازع عليها، وأن مصيرها لا يقرره سوى استفتاء ترعاه الأمم المتحدة. هذا الثبات كلّفه سنوات طويلة في السجون، عزلة ومراقبة مستمرة، لكنه منحه أيضًا مصداقية فريدة لدى شريحة واسعة من الكشميريين.

لم يكن غيلاني يتأرجح بين الشعارات والتسويات كما فعل آخرون، بل ظل ثابتًا في مواقفه. كان موقفه الموالي لباكستان مطلقًا، يستند إلى نظرية “الأمتين”، إذ كان يرى أن كشمير جزء من باكستان، رغم أنه أقرّ مرة بأن الاستقلال أفضل من “الإمبريالية الهندية”، على حد وصفه. انتقده خصومه بوصفه متشددًا ومتصلبًا، لكن أنصاره رأوا فيه رجل مبدأ، لا يساوم ولا يتزحزح. حتى الصحفي الهندي البارز يوغيندر سيكاند وصفه بأنه “ربما الزعيم الكشميري الوحيد الذي يُنظر إليه باعتباره صادقًا” ويمثل المقاومة ضد الحكم الهندي بشكل لا نظير له.

وما يجعل قصة غيلاني إنسانية أيضًا هو تحديه للموت. فقد نجا من أكثر من عشرة محاولات اغتيال خلال عقدين، وظل يعيش كأنه رجل محكوم عليه، لكنه لم يتراجع. بل انتقد حتى باكستان حين شعر أنها خانت مصالح الكشميريين، خاصة في حرب كارجيل. كما رفض “خطة النقاط الأربع” التي طرحها برويز مشرف، ما رسّخ صورته كرجل لا ينحني حتى أمام الحلفاء الأيديولوجيين.

بالنسبة للكثير من شباب كشمير، شُبّه غيلاني بعمر المختار، قائد المقاومة الليبية الذي رفض المساومة مع الاستعمار الإيطالي. مثل المختار، أصبح غيلاني رمزًا ليس فقط للمقاومة، بل للسلطة الأخلاقية في قول “لا” حين كان الصمت أو التنازل أسهل.

إن إرث سيد علي شاه غيلاني لا يتمثل في أراضٍ حُررت أو معارك حُسمت، بل في استمرار صوت لم يُسكت. سواء اتفق المرء مع أيديولوجيته أم لا، فإن حياته تظل شاهدة على أن في عالم الولاءات المتقلبة والمواقف المائعة، هناك رجال اختاروا المبدأ على السلطة، والمقاومة على الدبلوماسية، والكفاح على الاستسلام.

✍️ عن الكاتب: محمد عبد الله، باحث ومحلل سياسي كشميري، يكتب من منظور شعب يعاني مباشرة من السياسات العدوانية للهند في الإقليم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى