تسليح المياه: تعليق الهند لمعاهدة مياه السند يهدد ملايين البشر وينتهك القانون الدولي
بقلم: الطاف حسين واني

في أبريل/نيسان 2025، وبعد الهجوم المأساوي في باهالغام، اتخذت لجنة الأمن التابعة لمجلس الوزراء الهندي خطوة تهدد بتقويض أحد أكثر نماذج التعاون الدولي صمودًا في جنوب آسيا، وهي معاهدة مياه السند. فبإعلانها وضع الاتفاقية، التي مضى عليها 65 عامًا، في حالة “تعليق” وتعهدها بتحويل مياه الأنهار إلى ولاية راجستان، لم تخرق نيودلهي التزاماتها القانونية تجاه باكستان فحسب، بل حولت أيضًا المورد الأكثر أساسية للحياة — الماء — إلى أداة ضغط، مما يعرض حقوق نحو 240 مليون إنسان لخطر جسيم.
لقد صمدت معاهدة مياه السند أمام الحروب والتجارب النووية وعقود طويلة من العداء، لأن الطرفين أدركا أن تدفق المياه يجب أن يتجاوز الخلافات السياسية. وتنص المعاهدة على تخصيص الأنهار الغربية — السند وجهلم وتشيناب — لباكستان، حيث تروي نحو 18 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، تمثل 80% من الأراضي الصالحة للزراعة وتسهم بما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وبالنسبة لدولة تُعد من بين الأكثر عرضة لتغير المناخ عالميًا وتعاني محدودية في قدرات تخزين المياه، فإن استمرار تدفق هذه الأنهار ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل مسألة تتعلق بالأمن الغذائي والبقاء الاقتصادي.
قرار الهند تعليق المعاهدة، بحجة “الإرهاب العابر للحدود” ووجود “تغيرات جوهرية في الظروف”، يفتقر — وفق التحليل القانوني — إلى الأساس المتين. ففي يونيو/حزيران 2025 ومجدداً في فبراير/شباط 2026، أكدت محكمة التحكيم الدائمة أن المعاهدة «لا تسمح لأي طرف بتعليق التزاماته من جانب واحد». كما تنص المادة 12(4) صراحة على استمرار الاتفاقية إلى أن يتم إنهاؤها باتفاق متبادل عبر معاهدة جديدة مصدق عليها قانونيًا. وبالتالي، فإن محاولة تعديل هذا الترتيب بشكل أحادي تُعد انتهاكًا لمبدأ أساسي في القانون الدولي يقضي بوجوب احترام الاتفاقيات.
أما المبررات التي طرحتها الهند — مثل النمو السكاني أو احتياجات الطاقة أو الاعتبارات الأمنية — فلا تستوفي الشروط الصارمة لتعليق المعاهدات وفق القانون الدولي العرفي واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. فمبدأ “التغير الجوهري في الظروف” يتطلب تهديدًا وجوديًا حقيقيًا للدولة، وليس مجرد تحولات ديموغرافية أو طموحات في مجال الطاقة النظيفة. كما أن الادعاء بحدوث “إخلال مادي” من جانب باكستان يظل ضعيفًا، لأن الخلافات حول مشاريع الطاقة الكهرومائية كانت أصلًا خاضعة لآليات تسوية النزاعات المنصوص عليها في المعاهدة.
حتى مع افتراض وجود مخاوف أمنية هندية، فإن قطع تدفقات المياه لا يمكن اعتباره إجراءً مشروعًا مضادًا، إذ تشترط قواعد المسؤولية الدولية أن تكون الإجراءات المضادة متناسبة ومؤقتة وقابلة للعكس، وألا تمس الحقوق الأساسية للإنسان. وتعريض إمدادات المياه لدولة تضم 240 مليون نسمة للخطر، بما يهدد حقوقهم في الغذاء والصحة والتنمية، لا يُعد إجراءً متناسبًا، بل عقابًا جماعيًا مقنعًا بغطاء سياسي.
وتحمل الخطوة تداعيات إنسانية خطيرة وفورية. فقد أكدت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن المياه لا يجوز استخدامها أداة ضغط سياسي أو اقتصادي. ومع تصريحات مسؤولين هنود حول عدم إعادة العمل بالمعاهدة وتحويل مياه الأنهار الغربية إلى داخل الهند، فإن ذلك قد يؤدي إلى قطع شريان الحياة الزراعي لباكستان بشكل دائم، في انتهاك لالتزامات دولية تمنع إلحاق ضرر بيئي عابر للحدود.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن النزاع المستمر حول جامو وكشمير، الذي ظل عامل توتر رئيسيًا بين قوتين نوويتين لعقود. فتصعيد الخلافات المائية بدل معالجة جذور الصراع قد يحول نزاعًا تقنيًا قابلًا للإدارة إلى مواجهة وجودية، خاصة في ظل تحذيرات باكستان من أن تحويل المياه قد يُعد “عملًا حربيًا”.
ويرى الكاتب أن الطريق نحو التهدئة يقتضي التزامًا فوريًا بالقانون الدولي، وإعادة العمل بالمعاهدة دون شروط، والمشاركة بحسن نية في آليات التحكيم الدولية، والتخلي عن خطط تحويل المياه العابرة للحدود. فمع تفاقم أزمة المناخ عالميًا، لا يجوز تحويل المياه إلى أداة للإكراه السياسي، لأن الحق في المياه حق عالمي غير قابل للتفاوض.
قبل ستة وستين عامًا، اختار قادة المنطقة التعاون بدل الصراع رغم جراح التقسيم. واليوم، ومع تصاعد التوترات وتفاقم التحديات المناخية، تبدو تلك الحكمة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتضحية بمعاهدة مياه السند لأسباب سياسية لا تهدد مستقبل باكستان فحسب، بل تقوض أيضًا فرص التعايش السلمي في جنوب آسيا. فكما يجب أن تتدفق المياه، يجب أن يستمر الحوار والدبلوماسية.



