
تُعدّ معاهدة مياه نهر السند لعام 1960، التي رعتها مجموعة البنك الدولي، واحدة من أكثر اتفاقيات تقاسم المياه العابرة للحدود صمودًا في العالم، إذ نجحت تاريخيًا في تحييد إدارة المياه في جنوب آسيا عن الصراع المباشر. وقد خصّصت المعاهدة الأنهار الغربية الثلاثة—السند، وجِهلُم، وتشيناب—لصالح باكستان، معترفةً بهشاشتها البنيوية كدولة مصب يعتمد اقتصادها الزراعي وأمنها الغذائي واستقرارها البيئي اعتمادًا شبه كامل على التدفقات النهرية غير المنقطعة. غير أن السلوك الهندي من المنبع يضع هذا الإطار التعاهدي اليوم تحت ضغط غير مسبوق، محوّلًا ما صُمّم كنظام قانوني تعاوني إلى ساحة لإكراه هيدروسياسي، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وقانونية وجيوسياسية عميقة.
ويُعدّ اعتماد باكستان على حوض نهر السند مطلقًا وقابلًا للقياس؛ إذ يروي النظام النهري نحو 18 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، ويدعم أكثر من 90 في المئة من الإنتاج الزراعي، ويسهم بنحو 24 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويشكّل ركيزة للأمن الغذائي وسبل عيش قرابة 240 مليون نسمة. وبالتوازي، تراجعت حصة الفرد من المياه في باكستان بشكل حاد من أكثر من 5600 متر مكعب عام 1947 إلى أقل من 1000 متر مكعب اليوم، ما يضع البلاد ضمن عتبة الندرة المائية المعترف بها دوليًا. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي تلاعب محدود من المنبع يخلّف آثارًا غير متكافئة في المصب. ومن هنا، أثارت محفظة الهند المتنامية من مشاريع الطاقة الكهرومائية على الأنهار المخصصة لباكستان—بما فيها كيشانغانغا، وراتلي، وباكال دول، والآن دولهاستي-2—مخاوف حادة لا تتعلق بمشروعات بعينها فحسب، بل بقدرتها التراكمية على تنظيم وتخزين وتوقيت التدفقات النهرية على نحو استراتيجي.
وتشير تعليقات دولية حديثة، من بينها تحليل نشرته مجلة ذا ناشيونال إنترست، إلى أن سد دولهاستي-2 الهندي على نهر تشيناب لا يُنظر إليه خارجيًا بوصفه مبادرة تنموية محايدة، بل كأداة استراتيجية من المنبع قادرة على التأثير المباشر في الحصة المائية المضمونة لباكستان بموجب المعاهدة. ويؤكد التقرير أن الهند لا تستطيع تعليق معاهدة مياه السند أو إعادة صياغتها أو إعادة تفسيرها من جانب واحد، مستشهدًا بالمادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات التي تُكرّس المبدأ الأساسي القائل بأن «كل معاهدة نافذة مُلزمة لأطرافها ويجب تنفيذها بحسن نية». ويحذّر التحليل من أن أي محاولة لتجاهل هذه الالتزامات تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتعرّض مصداقية اتفاقيات الأنهار العابرة للحدود عالميًا للخطر. ولا يقتصر هذا القلق على جنوب آسيا؛ إذ تتقاسم 153 دولة أحواض أنهار دولية، وأي تآكل في الامتثال التعاهدي داخل حوض السند سيؤسس سابقة مقلقة على مستوى العالم.



