کشمیر المحتلۃمضامین

من الحكم الذاتي إلى الضم: التداعيات الدستورية والاستعمارية ليوم 5 أغسطس في كشمير

بقلم: فائقہ خالد

في 5 أغسطس 2019، أقدمت الحكومة الهندية بقيادة حزب بهارتيا جاناتا (BJP) على إلغاء المادتين 370 و35A من الدستور الهندي بشكل أحادي، وهي مواد كانت توفر لجمهورية جامو وكشمير المحتلة داخليًا من قبل الهند حكمًا ذاتيًا داخليًا، ودستورًا خاصًا بها، وتمنح البرلمان المحلي سلطة تحديد “المقيمين الدائمين” وبالتالي حصر ملكية الأراضي والاستفادة من الخدمات العامة بالسكان الأصليين.

فجأة، تم تجريد كشمير من وضعها الدستوري الخاص، وتم تقسيم الإقليم إلى منطقتين اتحاديتين تخضعان للإدارة المباشرة من نيودلهي: جامو وكشمير، ولداخ. ورغم أن الحكومة الهندية وصفت الخطوة بأنها تهدف إلى “الاندماج الوطني والتنمية”، إلا أن الواقع كان مختلفًا، حيث رأى كثيرون محليًا ودوليًا أن ما جرى هو انقلاب دستوري استراتيجي هدفه محو الهوية السياسية لكشمير وتهيئة الأرضية لإحداث تغيير ديموغرافي منظم.

وبعد أشهر فقط، وتحديدًا في مايو 2020، أصدرت نيودلهي قواعد إقامة جديدة قلبت المعايير رأسًا على عقب، حيث أصبح من أقام في كشمير لمدة 15 عامًا أو درس فيها 7 سنوات مؤهلاً للحصول على شهادة إقامة. ونتيجة لذلك، تم إصدار أكثر من 3.51 مليون شهادة إقامة بين عامي 2022 وأبريل 2025، بينها أكثر من 83,742 شهادة لمواطنين كانوا سابقًا ممنوعين من الإقامة بموجب قانون “الحق الإقليمي”، ما يمثل نحو 2.4% من إجمالي الشهادات خلال عامين فقط.

وحذر منتقدون، بمن فيهم أحزاب المعارضة الكشميرية، من أن هذا التوسع في منح الإقامة للوافدين الجدد سيسمح لهم بالمنافسة على الوظائف والممتلكات والنفوذ السياسي، ما يشكل تغييرًا ديموغرافيًا قسريًا. أحد نواب حزب الشعب الديمقراطي (PDP) حذر من أن 83,742 مقيمًا جديدًا يعادلون دائرة انتخابية كاملة، ما قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية في الانتخابات المقبلة.

ولم تقف التغييرات عند هذا الحد، ففي أكتوبر 2020، أُقرت قوانين جديدة تسمح بتملك الأراضي الزراعية والحضرية من قبل غير المقيمين. واعتبر منتقدون أن هذه الاستراتيجية تشبه إلى حد كبير سياسات الاستيطان التي تنتهجها “إسرائيل” في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تُستخدم الأدوات القانونية لتسهيل الاستيطان والسيطرة على الموارد، وتهميش السكان الأصليين.

وفي كشمير، ذهبت عقود التعدين والموارد إلى غير الكشميريين، إذ تشير إحدى التقارير إلى أن 70% من مناقصات التعدين تم منحها لوافدين من خارج الإقليم، مما أبعد المتعهدين المحليين عن المشهد الاقتصادي.

رافقت عملية الإلغاء واحدة من أطول حالات قطع الإنترنت في العالم، إذ استمرت 213 يومًا، إلى جانب اعتقالات جماعية بموجب قانون السلامة العامة وقانون مكافحة الإرهاب (UAPA). وثقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية وخبراء الأمم المتحدة مئات حالات الاعتقال، بما في ذلك سياسيون ونشطاء حقوقيون وصحفيون وحتى أطفال، دون توجيه تهم رسمية أو إتاحة المسار القانوني لهم.

تتعرض حرية الصحافة في كشمير لحملة قمع ممنهجة. حيث يواجه الصحفيون الاستدعاءات الأمنية، والمداهمات، ومصادرة جوازات السفر، ومنع السفر. كما تم تهديد بعض المراسلين الأجانب بإجراءات قانونية في حال عدم تسليم جوازاتهم. وأصبح التغطية الإعلامية لكشمير جريمة إلا إذا كانت تروج لرواية الحكومة.

كما تم سجن النشطاء الحقوقيين، مثل خورام برويز، بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، بسبب توثيقهم لحالات الإخفاء القسري والانتهاكات.

ورغم الوعود بالتنمية، تظهر التحليلات المستقلة تدهورًا اقتصاديًا حادًا. ووفقًا لمنتدى حقوق الإنسان في جامو وكشمير (TFHRJK)، انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 13.3% قبل الإلغاء إلى 8.7% بعده. كما بلغت بطالة الشباب 18.3%، وهو رقم يفوق المعدل الوطني. وقدرت الخسائر الاقتصادية بـ أكثر من 3.5 مليار دولار أمريكي، فيما فقد نحو 500,000 كشميري وظائفهم بعد عام 2019. وأبلغت الهيئات التجارية المحلية عن خسائر ضخمة، في حين أضرت الإعفاءات الضريبية على الواردات (مثل التفاح الأمريكي والزعفران الإيراني) بالمنتجات المحلية. أما الإنفاق على البنية التحتية، فلم يُعوض الإقصاء المتزايد للكشميريين من الوظائف العامة والفرص الاقتصادية.

ولا يزال أكثر من 700 ألف جندي من القوات النظامية وشبه العسكرية منتشرين في الإقليم. وفي ديسمبر 2023، أيدت المحكمة العليا الهندية قرار الإلغاء، لكنها أمرت بإجراء الانتخابات واستعادة وضع الدولة بحلول سبتمبر 2024. ورغم إجراء الانتخابات، فإن إعادة الوضع الدستوري لكشمير لم تُنفذ حتى الآن.

وحذرت منظمات حقوقية، منها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، من أن الخطوات الهندية قد تُفاقم الصراع بدلاً من حله، وتُغذي مشاعر الإقصاء والانفصال. وأشار خبراء وأكاديميون من الأمم المتحدة إلى انتهاكات خطيرة للقانون الدولي، من بينها القتل خارج نطاق القانون والإخفاء القسري، واستمرار قانون القوات المسلحة الخاصة (AFSPA) الذي يمنح الحصانة للقوات الهندية من الملاحقة القضائية.

من جهتها، ردّت باكستان بشدة، إذ قامت بتخفيض مستوى العلاقات الدبلوماسية، وتعليق التعاون الثنائي، وإعلان يوم 5 أغسطس “يوم استحصال”، تضامنًا مع الكشميريين ورفضًا لما وصفته بـ “الاستعمار الهندي” للمنطقة. واتهم مسؤولون باكستانيون نيودلهي بتقليد السياسات الإسرائيلية، وخرق اتفاقيات جنيف الرابعة وقرارات الأمم المتحدة عبر التغيير الديموغرافي غير القانوني في كشمير.

بالنسبة للكشميريين، يبقى 5 أغسطس يومًا أسود في تاريخهم. فقد جُردوا من الحماية الدستورية، وفُتحت الأبواب أمام غزو خارجي عبر قوانين الإقامة وملكية الأراضي، وتحول الإقليم إلى جبهة قانونية وعسكرية. أما الوعود الاقتصادية فلم تتحقق، بينما تفاقمت البطالة، ودُمّرت الصناعات التقليدية، وتآكلت السيادة الكشميرية من خلال مشاريع سياسية وديموغرافية مدروسة.

ولا تزال الانتهاكات الحقوقية مستمرة، من الإخفاء القسري والاعتقالات التعسفية إلى الرقابة والقمع العنيف لأي معارضة. وفي الوقت نفسه، تمضي الهند بهدوء في مشروعها الهندوسي من خلال الأدوات القانونية والبيروقراطية.

ومع تنامي الوعي الدولي، يواصل الكشميريون في الداخل والشتات، ومعهم باكستان، المطالبة بـ:

  • استعادة المادة 370 والمادة 35A بكامل صيغتهما الأصلية

  • وقف قوانين الإقامة ونقل الأراضي التي تغيّر التركيبة السكانية

  • إلغاء القوانين القمعية مثل UAPA وPSA وAFSPA

  • محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والسماح للمراقبين الدوليين بالدخول

إن العالم مدعوٌّ اليوم إلى رفض طمس الهوية الكشميرية تحت غطاء القوانين القومية. لا يجب أن تكون الديموغرافيا قدرًا مفروضًا، فمستقبل المسلمين الكشميريين، والتعددية السياسية، والعدالة الدستورية، كلها تعتمد على استجابة دولية واعية تُعيد الاعتبار لحق تقرير المصير.


الكاتبة طالبة علاقات دولية في الجامعة الإسلامية الدولية بإسلام آباد، وتعمل حاليًا متدربة في معهد كشمير للعلاقات الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى